مع إسدال الستار في 30 مايو 2026 على فعالياته التي استمرت أسبوعًا، لم يكن بينالي الفن الإيراني المعاصر السادس مجرد معرض فني، بل كان بمثابة شهادة حية على مرونة وتطور الرؤية الفنية الإيرانية [7]. تحت عنوان شاعري وعميق، "بجذوري" (With My Roots)، حوّل هذا الحدث البارز قاعات غاليري مول المرموقة في قلب لندن إلى مساحة نابضة بالحياة، تجمع بين أصالة الماضي وروح الحاضر، وتقدم حواراً بصرياً وثقافياً ثرياً للجمهور العالمي [1, 7].
جاء المعرض، الذي نظمته "كابيتال آرت لندن"، في لحظة محفوفة بالتعقيدات السياسية والتوترات الإقليمية، مما أضفى على وجوده أهمية مضاعفة [4, 7]. ففي خضم هذه التحديات، برز البينالي كمنصة حيوية للدبلوماسية الثقافية، حيث أتاح مساحة آمنة للحوار والتفاهم المتبادل، متجاوزًا حواجز اللغة والسياسة. إن الإقبال الجماهيري الكبير، من الشتات الإيراني والجمهور الدولي على حد سواء، لم يكن مجرد دليل على نجاح المعرض، بل كان تأكيدًا على المكانة العالمية المتنامية للفن الإيراني المعاصر وقدرته الفريدة على بناء الجسور [7].
بينالي "بجذوري": أكثر من مجرد معرض
لم يكن اختيار لندن كموقع للبينالي السادس من قبيل الصدفة. فالمدينة، بتركيبتها العالمية وكونها مركزًا رئيسيًا للشتات الإيراني، وفرت خلفية مثالية لاستضافة هذا الحوار بين فنانين من داخل إيران ومن مختلف أنحاء العالم [2, 4]. حمل المعرض على عاتقه "وزنًا تنسيقيًا كبيرًا"، كما أشارت مجلة "فاد"، حيث سعى إلى استكشاف مفاهيم معقدة مثل الهوية، والنزوح، والاستمرارية الثقافية من خلال لغة الفن [4]. وقد نجح في مهمته بامتياز، مقدمًا للزوار تجربة غامرة تتجاوز الجماليات السطحية لتلامس أوتار الذاكرة والوجدان.
- إجمالي الطلبات المقدمة
- +530
- الأعمال التي وصلت لمرحلة التحكيم
- 305
- الأعمال المعروضة
- +100
- مدة العرض
- 8 أيام
طلب مقدم من فنانين حول العالم
عمل فني من قبل 127 فنانًا
مزيج من الفن المعاصر والقطع الأثرية
من 23 إلى 30 مايو 2026
الأرقام أعلاه، المستقاة من تقارير حول الحدث، تكشف عن حجم الجهد المبذول وعن عملية الاختيار الصارمة التي أشرفت عليها أمانة البينالي [7]. هذا الاهتمام الكبير من قبل الفنانين يعكس مدى أهمية هذه المنصة كفرصة للتعبير وعرض أعمالهم على الصعيد الدولي. كما أن الحضور اللافت يؤكد على أن الفن الإيراني المعاصر لم يعد مجرد ظاهرة محلية، بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من المشهد الفني العالمي، يجذب انتباه النقاد والجماهير على حد سواء.
لغة فنية متعددة الأوجه: من التجريد إلى التراث
ما ميّز بينالي "بجذوري" هو تنوعه المذهل. لم يقتصر المعرض على شكل فني واحد، بل قدم بانوراما شاملة للتعبير الإبداعي الإيراني. تجاورت اللوحات التجريدية مع الصور الفوتوغرافية الوثائقية، والمنحوتات الحديثة مع أعمال الفيديو والتركيبات الفنية المعقدة [4]. والأكثر إثارة للاهتمام، هو دمج هذه الأعمال المعاصرة مع قطع فنية أثرية، ومنسوجات، وقطع سيراميك تقليدية [3]. هذا التجاور المدروس خلق حوارًا فريدًا بين الماضي والحاضر، وكأنه يطرح سؤالًا بصريًا حول كيفية تغذية الجذور القديمة للأفرع الحديثة.

- الرسم: تنوعت الأساليب بين التجريد والواقعية والرمزية، عاكسةً مدارس فنية متعددة.
- التصوير الفوتوغرافي: عدسات وثقت لحظات من الحياة اليومية، واستكشفت مفاهيم الذاكرة والمكان.
- النحت والفن التركيبي: أعمال ثلاثية الأبعاد جسدت أفكارًا حول الهوية والمجتمع والمادة.
- فن الفيديو والوسائط الجديدة: استخدام التكنولوجيا لسرد قصص معاصرة والتفاعل مع المشاهد بطرق مبتكرة.
- المنسوجات والسيراميك: إحياء الحرف التقليدية بلمسة حديثة، مما يؤكد على استمرارية الإرث الفني.
- القطع الأثرية والتحف: قطع تاريخية شكلت مرجعية بصرية وروحية للأعمال المعاصرة المحيطة بها.
“الأثر الذي يبقى بعد زيارة المعرض ليس بالضرورة جيوسياسياً، بل هو احتفاء بالاستمرارية الثقافية والهوية المتجددة التي تتحدى التصنيفات السهلة.”
صوت الشتات: الهوية والنزوح والاستمرارية
كان أحد أبرز محاور البينالي هو تركيزه على تجربة الشتات الإيراني. من خلال جمع فنانين مقيمين في إيران وآخرين يعيشون في مختلف أنحاء العالم، أتاح المعرض فرصة نادرة لمقارنة الرؤى ووجهات النظر [2, 6]. طرحت الأعمال أسئلة جوهرية حول معنى الوطن، وآلام النزوح، وتحديات بناء هوية هجينة في بيئات جديدة. الاستمرارية الثقافية، التي تمثل هاجسًا للكثيرين في الشتات، وجدت تعبيرًا قويًا في الأعمال التي تستلهم من التراث الفارسي، سواء من خلال الخط أو الأساطير أو الزخارف، ولكنها تقدمها في قوالب حديثة تتناغم مع العصر.
جسور فنية عبر العالم
يعكس هذا التوجه العام ما وصفته القيمة الفنية دونا هوناربيشه بأنه "مسوحات قوية وانتقائية وأنيقة للفن المعاصر في الشتات الإيراني المحلي والدولي" [6]. لم يعد فنان الشتات مجرد صوت منفرد، بل أصبح جزءًا من شبكة عالمية مترابطة، تتبادل الأفكار والتجارب. تعمل معارض مثل بينالي لندن على تقوية هذه الشبكة وتوفير منصة مادية لهذا الحوار الافتراضي، مما يساهم في تشكيل سردية أكثر ثراءً وتعددًا عن الهوية الإيرانية في القرن الحادي والعشرين.

| المحور الفني | فنانو الداخل (منظور استنتاجي) | فنانو الشتات (منظور استنتاجي) |
|---|---|---|
| الهوية | متجذرة في السياق الاجتماعي والسياسي المباشر، غالبًا ما تستخدم الرمز والاستعارة. | استكشاف الهويات الهجينة، الذاكرة، الحنين إلى الماضي، وإعادة تعريف الانتماء. |
| التراث | الوصول المباشر إلى المواقع والحرف التاريخية، وإعادة تفسيرها في سياق معاصر. | نظرة مثالية أو مجزأة للتراث، غالبًا ما يكون مصدرًا للشوق والإلهام الروحي. |
| الوسائط والمواد | استخدام المواد المحلية والتقنيات التقليدية جنبًا إلى جنب مع الأساليب الحديثة. | مزج الزخارف والرموز التقليدية مع المواد والوسائط الغربية الحديثة (فن الفيديو، التركيب). |
الفن في مواجهة التحديات: من طهران إلى لندن
تكمن قوة الفن في قدرته على تجاوز الظروف الصعبة والتعبير عن حقائق إنسانية أعمق. أقيم بينالي لندن في ظل "خلفية من الصراع المستمر والغموض السياسي" [4] و"التوترات الإقليمية المتزايدة" [7]. ورغم ذلك، أو ربما بسببه، نجح المعرض في تحقيق هدفه المتمثل في تعزيز الحوار بين الثقافات، ليصبح مثالاً ساطعاً على الدبلوماسية الناعمة.
هذا الدور للفن ليس حكراً على الساحة الدولية. ففي داخل إيران نفسها، يلعب الفن دوراً مماثلاً في استكشاف القضايا الشائكة. على سبيل المثال، أقام متحف طهران للفن المعاصر معرضًا نادرًا للطباعة المكسيكية يستكشف الروايات المتشابكة للحرب والمقاومة والهوية الوطنية، وذلك كجزء من سلسلته المستمرة "الفن والحرب" [2]. هذا التقاطع الموضوعي بين معرض في طهران وآخر في لندن، رغم اختلاف السياق، يوضح أن الفنانين الإيرانيين، أينما كانوا، منشغلون بالأسئلة الكبرى حول الصراع والهوية والبقاء.
من رعاية الشاهبانو إلى صالات العرض العالمية
لفهم المشهد الفني الإيراني المعاصر، لا بد من إلقاء نظرة على جذوره في القرن العشرين. لعبت شخصيات مثل الإمبراطورة فرح بهلوي دوراً محورياً في دعم حركة الفن الحديث في إيران، حيث قامت بتجميع مجموعة فنية عالمية هائلة لمتحف طهران للفن المعاصر [5]. وعلى الرغم من أن الكثير من قصة هذه الرعاية قد طواها النسيان بعد الثورة، إلا أن البذور التي زرعتها أثمرت جيلاً من الفنانين الذين حملوا شعلة الحداثة. إن مرونة المشهد الفني اليوم وقدرته على إعادة اختراع نفسه باستمرار هما شهادة على تلك الأسس القوية.
| المنصة | النموذج | التركيز الأساسي | مثال مذكور في الأبحاث |
|---|---|---|---|
| البينالي الدولي | غير ربحي، برعاية قيمين فنيين | الحوار الثقافي، تمثيل الشتات، الدبلوماسية الناعمة | بينالي الفن الإيراني المعاصر السادس [1] |
| المعارض المتحفية | مؤسسي، مدعوم من الدولة أحيانًا | التنسيق الموضوعي، السرديات الوطنية، التبادل الدولي | سلسلة "الفن والحرب" في متحف طهران [2] |
| الغاليري التجاري | يعتمد على السوق | تمثيل الفنانين، المبيعات، المشاركة في المعارض الفنية | غاليري دستان في معرض فريز [8] |
| الترويج الرقمي | يعتمد على المجتمع والتفاعل | التحديثات الفورية، الترويج للفنانين، إشراك الجمهور | منشورات غاليري مول على فيسبوك وإنستغرام [1, 3] |
في العصر الحالي، لم يعد الدعم مقتصراً على الرعاية الحكومية أو الأرستقراطية. لقد تطور النظام البيئي الفني ليشمل الغاليريهات التجارية القوية مثل "غاليري دستان"، التي تشارك بانتظام في أرقى المعارض الفنية العالمية مثل "فريز" [8]. هذا الحضور التجاري يكمل الدور الثقافي الذي تلعبه البيناليات والمتاحف، ويوفر للفنانين سبلًا للاستدامة المهنية والوصول إلى جمهور أوسع من المقتنين.

إلى أين يتجه الفن الإيراني المعاصر؟
إذا كان بينالي "بجذوري" يمثل مؤشراً، فإن مستقبل الفن الإيراني المعاصر يبدو واعدًا ومعقدًا في آن واحد. إنه مستقبل هجين، متجذر بعمق في تراث فارسي غني، ولكنه في نفس الوقت عالمي، ومنفتح على الحوار، ومشارك في القضايا العالمية. إنه فن لا يخشى طرح الأسئلة الصعبة، سواء حول الهوية الشخصية أو السياسة الدولية.
- تعميق الحوار: من المرجح أن نشهد المزيد من المشاريع التعاونية التي تسعى إلى تعميق الحوار بين فناني الداخل والشتات، مما يخلق سردية أكثر تكاملاً.
- حضور عالمي متزايد: مع نجاح الغاليريهات والبيناليات، سيزداد حضور الفنانين الإيرانيين في المتاحف الكبرى والمجموعات الفنية الخاصة حول العالم.
- الابتكار في الوسائط: سيستمر الفنانون في استكشاف الهويات الهجينة والذاكرة الثقافية، ولكن بوسائط وتقنيات مبتكرة تتجاوز الأشكال التقليدية.
- الفن كقوة ناعمة: ستواصل إيران، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، استخدام فنها كأداة للتأثير الثقافي والدبلوماسي على الساحة العالمية.
“الفن الإيراني المعاصر، سواء في طهران أو لندن، يثبت قدرته الفريدة على نسج خيوط التراث والذاكرة والهوية في نسيج عالمي معقد، مقدماً رؤى تتجاوز العناوين الإخبارية.”
- الفن الإيراني المعاصر هو حوار حي ومستمر بين التراث الأصيل والحداثة العالمية.
- يلعب فنانو الشتات دورًا حاسمًا في تشكيل المشهد الفني وتوسيع مفهوم الهوية الإيرانية.
- تعمل المعارض والبيناليات كجسور ثقافية هامة، خاصة في الأوقات السياسية الصعبة.
في نهاية المطاف، يعود بنا كل شيء إلى عنوان البينالي: "بجذوري". لقد أثبت معرض لندن أن هذه الجذور ليست مجرد بقايا من الماضي، وليست مرساة تقيد الحركة. بل هي نظام حيوي ومرن، يغذي سيقانًا وأفرعًا جديدة تمتد عبر القارات، وتزهر في ظروف وبيئات متنوعة. كان بينالي لندن 2026 شهادة على هذه الحيوية المزدهرة، وتذكيراً بأن الفن، في جوهره، هو احتفاء بالحياة والقدرة على النمو رغم كل التحديات.


Sources
- [1]Mall Galleries | Tomorrow is your last chance to see With My Roots ...· instagram.com
- [2]The sixth Iranian Contemporary Art Biennial, titled 'With My Roots ...· x.com
- [3]Mall Galleries's post - Facebook· facebook.com
- [4]Between memory and myth: inside WITH MY ROOTS Iranian Contemporary Art Biennale - FAD Magazine· fadmagazine.com
- [5]The Empress of Art During her reign as the first queen in Iranian ...· instagram.com
- [6]Join curator Ðonna Honarpisheh as she walks us through ...· facebook.com
- [7]6th Iranian Contemporary Art Biennial concludes in London· tehrantimes.com
- [8]Dastan Gallery | Frieze· frieze.com

