بجذوري: الفن الإيراني المعاصر يزدهر في لندن، جسر بين الذاكرة والمستقبل

نظرة معمقة على بينالي الفن الإيراني المعاصر السادس في غاليري مول، حيث يلتقي التراث بالحداثة في حوار فني عابر للحدود.

بجذوري: الفن الإيراني المعاصر يزدهر في لندن، جسر بين الذاكرة والمستقبل
Image: Original source

مع إسدال الستار في مايو 2026 على فعالياته في صالات عرض 'ذا مول' (The Mall)، لم يكن بينالي الفن الإيراني المعاصر السادس، الذي حمل عنوان 'إيران الأبدية: بجذوري'، مجرد معرض فني عابر. بل كان بمثابة شهادة حية على مرونة الرؤية الفنية الإيرانية وقدرتها على التجدد، مشكلاً جسراً بصرياً يربط بين التاريخ العريق وتطلعات المستقبل في قلب العاصمة البريطانية.

جاء المعرض، الذي نظمته "كابيتال آرت لندن"، في لحظة محفوفة بالتعقيدات السياسية والتوترات الإقليمية، مما أضفى على وجوده أهمية مضاعفة. ففي خضم هذه التحديات، برز البينالي كمنصة حيوية للدبلوماسية الثقافية، حيث أتاح مساحة آمنة للحوار والتفاهم المتبادل، متجاوزًا حواجز اللغة والسياسة. إن الإقبال الجماهيري الكبير، من الشتات الإيراني والجمهور الدولي على حد سواء، لم يكن مجرد دليل على نجاح المعرض، بل كان تأكيدًا على المكانة العالمية المتنامية للفن الإيراني المعاصر وقدرته الفريدة على بناء الجسور.

بينالي "بجذوري": أكثر من مجرد معرض

لم يكن اختيار لندن كموقع للبينالي السادس من قبيل الصدفة. فالمدينة، بتركيبتها العالمية وكونها مركزًا رئيسيًا للشتات الإيراني، وفرت خلفية مثالية لاستضافة هذا الحوار بين فنانين من داخل إيران ومن مختلف أنحاء العالم. حمل المعرض على عاتقه "وزنًا تنسيقيًا كبيرًا"، كما أشارت مجلة "فاد"، حيث سعى إلى استكشاف مفاهيم معقدة مثل الهوية، والنزوح، والاستمرارية الثقافية من خلال لغة الفن. وقد نجح في مهمته بامتياز، مقدمًا للزوار تجربة غامرة تتجاوز الجماليات السطحية لتلامس أوتار الذاكرة والوجدان.

بينالي الفن الإيراني المعاصر السادس بالأرقام
إجمالي الطلبات المقدمة
+530

طلب مقدم من فنانين حول العالم

الأعمال التي وصلت لمرحلة التحكيم
305

عمل فني من قبل 127 فنانًا

الأعمال المعروضة
+100

مزيج من الفن المعاصر والقطع الأثرية

مدة العرض
8 أيام

من 23 إلى 30 مايو 2026

الأرقام أعلاه، المستقاة من تقارير حول الحدث، تكشف عن حجم الجهد المبذول وعن عملية الاختيار الصارمة التي أشرفت عليها أمانة البينالي. هذا الاهتمام الكبير من قبل الفنانين يعكس مدى أهمية هذه المنصة كفرصة للتعبير وعرض أعمالهم على الصعيد الدولي. كما أن الحضور اللافت يؤكد على أن الفن الإيراني المعاصر لم يعد مجرد ظاهرة محلية، بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من المشهد الفني العالمي، يجذب انتباه النقاد والجماهير على حد سواء.

Students Sketching at Tehran Museum of Contemporary Art
Students Sketching at Tehran Museum of Contemporary Art (24842661727) · # IranOpenAlbum (Negar Ghaffari) · CC BY 2.0

لغة فنية متعددة الأوجه: من التجريد إلى التراث

ما ميّز بينالي "بجذوري" هو تنوعه المذهل. لم يقتصر المعرض على شكل فني واحد، بل قدم بانوراما شاملة للتعبير الإبداعي الإيراني. تجاورت اللوحات التجريدية مع الصور الفوتوغرافية الوثائقية، والمنحوتات الحديثة مع أعمال الفيديو والتركيبات الفنية المعقدة. والأكثر إثارة للاهتمام، هو دمج هذه الأعمال المعاصرة مع قطع فنية أثرية، ومنسوجات، وقطع سيراميك تقليدية. هذا التجاور المدروس خلق حوارًا فريدًا بين الماضي والحاضر، وكأنه يطرح سؤالًا بصريًا حول كيفية تغذية الجذور القديمة للأفرع الحديثة.

أشكال التعبير الفني في المعرض
  • الرسم: تنوعت الأساليب بين التجريد والواقعية والرمزية، عاكسةً مدارس فنية متعددة.
  • التصوير الفوتوغرافي: عدسات وثقت لحظات من الحياة اليومية، واستكشفت مفاهيم الذاكرة والمكان.
  • النحت والفن التركيبي: أعمال ثلاثية الأبعاد جسدت أفكارًا حول الهوية والمجتمع والمادة.
  • فن الفيديو والوسائط الجديدة: استخدام التكنولوجيا لسرد قصص معاصرة والتفاعل مع المشاهد بطرق مبتكرة.
  • المنسوجات والسيراميك: إحياء الحرف التقليدية بلمسة حديثة، مما يؤكد على استمرارية الإرث الفني.
  • القطع الأثرية والتحف: قطع تاريخية شكلت مرجعية بصرية وروحية للأعمال المعاصرة المحيطة بها.

“الأثر الذي يبقى بعد زيارة المعرض ليس بالضرورة جيوسياسياً، بل هو احتفاء بالاستمرارية الثقافية والهوية المتجددة التي تتحدى التصنيفات السهلة.”

— من وحي مراجعة مجلة FAD للمعرض

امتداد التأثير: معرض 'آب انبار' والزخم الجماعي

لم يقتصر الزخم الفني الإيراني في لندن على البينالي فحسب، بل شهدت المدينة حراكاً استثنائياً في سبتمبر 2026، حيث استضاف غاليري آب انبار (Ab-Anbar Gallery) واحداً من أكبر المعارض الجماعية للفنانين الإيرانيين. ضم المعرض ما يقرب من 200 عمل فني لنحو 100 فنان، مما وفر منصة واسعة النطاق لاستعراض التنوع التقني والموضوعي الذي وصل إليه الفن الإيراني المعاصر اليوم.

صوت الشتات: الهوية والنزوح والاستمرارية

كان أحد أبرز محاور البينالي هو تركيزه على تجربة الشتات. هذا التوجه تعزز أيضاً في معارض موازية مثل 'إيران: ذاكرة × نبض قلب' (Iran: Memory X Heartbeat)، الذي أشرفت عليه رويا خادجافي والأختان سافاراني. من خلال جمع فنانين مثل علي تشيتساز، وداريوش نهداران، ومريم باليزغير، أتاح المشهد الفني في لندن فرصة نادرة لمقارنة الرؤى بين فنانين تجمعهم الجذور وتفرقهم الجغرافيا، مستكشفين مفاهيم النزوح والزمن.

جسور فنية عبر العالم

يعكس هذا التوجه العام ما وصفته القيمة الفنية دونا هوناربيشه بأنه "مسوحات قوية وانتقائية وأنيقة للفن المعاصر في الشتات الإيراني المحلي والدولي". لم يعد فنان الشتات مجرد صوت منفرد، بل أصبح جزءًا من شبكة عالمية مترابطة، تتبادل الأفكار والتجارب. تعمل معارض مثل بينالي لندن على تقوية هذه الشبكة وتوفير منصة مادية لهذا الحوار الافتراضي، مما يساهم في تشكيل سردية أكثر ثراءً وتعددًا عن الهوية الإيرانية في القرن الحادي والعشرين.

بازدید اصحاب رسانه از مراحل مرمت گنجینه موزه هنر‌های معاصر تهران
Tehran Museum of Contemporary Art 2020-08-11 03 · Amin Yari · CC BY 4.0
منظورات فنية: مقاربة بين فناني الداخل والشتات
المحور الفنيفنانو الداخل (منظور استنتاجي)فنانو الشتات (منظور استنتاجي)
الهويةمتجذرة في السياق الاجتماعي والسياسي المباشر، غالبًا ما تستخدم الرمز والاستعارة.استكشاف الهويات الهجينة، الذاكرة، الحنين إلى الماضي، وإعادة تعريف الانتماء.
التراثالوصول المباشر إلى المواقع والحرف التاريخية، وإعادة تفسيرها في سياق معاصر.نظرة مثالية أو مجزأة للتراث، غالبًا ما يكون مصدرًا للشوق والإلهام الروحي.
الوسائط والمواداستخدام المواد المحلية والتقنيات التقليدية جنبًا إلى جنب مع الأساليب الحديثة.مزج الزخارف والرموز التقليدية مع المواد والوسائط الغربية الحديثة (فن الفيديو، التركيب).
جدول مقارن استنتاجي يعرض الاختلافات الدقيقة في النهج الفني بناءً على الموقع الجغرافي والسياق المعيشي للفنانين.

الفن في مواجهة التحديات: من طهران إلى لندن

تكمن قوة الفن في قدرته على تجاوز الظروف الصعبة والتعبير عن حقائق إنسانية أعمق. أقيم بينالي لندن في ظل "خلفية من الصراع المستمر والغموض السياسي" و"التوترات الإقليمية المتزايدة". ورغم ذلك، أو ربما بسببه، نجح المعرض في تحقيق هدفه المتمثل في تعزيز الحوار بين الثقافات، ليصبح مثالاً ساطعاً على الدبلوماسية الناعمة.

هذا الدور للفن ليس حكراً على الساحة الدولية. ففي داخل إيران نفسها، يلعب الفن دوراً مماثلاً في استكشاف القضايا الشائكة. على سبيل المثال، أقام متحف طهران للفن المعاصر معرضًا نادرًا للطباعة المكسيكية يستكشف الروايات المتشابكة للحرب والمقاومة والهوية الوطنية، وذلك كجزء من سلسلته المستمرة "الفن والحرب". هذا التقاطع الموضوعي بين معرض في طهران وآخر في لندن، رغم اختلاف السياق، يوضح أن الفنانين الإيرانيين، أينما كانوا، منشغلون بالأسئلة الكبرى حول الصراع والهوية والبقاء.

تنوع الوسائط في الفن الإيراني المعاصر (توزيع تقديري)
توزيع تقديري للوسائط الفنية بناءً على الأعمال المشار إليها في بينالي لندن، مما يعكس هيمنة الرسم مع حضور قوي للأشكال الفنية الأخرى.

من رعاية الشاهبانو إلى صالات العرض العالمية

لفهم المشهد الفني الإيراني المعاصر، لا بد من إلقاء نظرة على جذوره في القرن العشرين. لعبت شخصيات مثل الإمبراطورة فرح بهلوي دوراً محورياً في دعم حركة الفن الحديث في إيران، حيث قامت بتجميع مجموعة فنية عالمية هائلة لمتحف طهران للفن المعاصر. وعلى الرغم من أن الكثير من قصة هذه الرعاية قد طواها النسيان بعد الثورة، إلا أن البذور التي زرعتها أثمرت جيلاً من الفنانين الذين حملوا شعلة الحداثة. إن مرونة المشهد الفني اليوم وقدرته على إعادة اختراع نفسه باستمرار هما شهادة على تلك الأسس القوية.

Tehran Museum of Contemporary Art. Edit by Gnosis ( talk )
Tehran Museum of Contemporary Art 1 edit · User:MRG90 · CC BY-SA 3.0
منصات عرض الفن الإيراني المعاصر
المنصةالنموذجالتركيز الأساسيمثال مذكور في الأبحاث
البينالي الدوليغير ربحي، برعاية قيمين فنيينالحوار الثقافي، تمثيل الشتات، الدبلوماسية الناعمةبينالي الفن الإيراني المعاصر السادس
المعارض المتحفيةمؤسسي، مدعوم من الدولة أحيانًاالتنسيق الموضوعي، السرديات الوطنية، التبادل الدوليسلسلة "الفن والحرب" في متحف طهران
الغاليري التجارييعتمد على السوقتمثيل الفنانين، المبيعات، المشاركة في المعارض الفنيةغاليري دستان في معرض فريز
الترويج الرقمييعتمد على المجتمع والتفاعلالتحديثات الفورية، الترويج للفنانين، إشراك الجمهورمنشورات غاليري مول على فيسبوك وإنستغرام
نظرة على الأنواع المختلفة من المنصات التي تساهم في عرض وترويج الفن الإيراني المعاصر على الساحة المحلية والعالمية.

في العصر الحالي، لم يعد الدعم مقتصراً على الرعاية الحكومية أو الأرستقراطية. لقد تطور النظام البيئي الفني ليشمل الغاليريهات التجارية القوية مثل "غاليري دستان"، التي تشارك بانتظام في أرقى المعارض الفنية العالمية مثل "فريز". هذا الحضور التجاري يكمل الدور الثقافي الذي تلعبه البيناليات والمتاحف، ويوفر للفنانين سبلًا للاستدامة المهنية والوصول إلى جمهور أوسع من المقتنين.


إلى أين يتجه الفن الإيراني المعاصر؟

إذا كان بينالي "بجذوري" يمثل مؤشراً، فإن مستقبل الفن الإيراني المعاصر يبدو واعدًا ومعقدًا في آن واحد. إنه مستقبل هجين، متجذر بعمق في تراث فارسي غني، ولكنه في نفس الوقت عالمي، ومنفتح على الحوار، ومشارك في القضايا العالمية. إنه فن لا يخشى طرح الأسئلة الصعبة، سواء حول الهوية الشخصية أو السياسة الدولية.

الاتجاهات المستقبلية الرئيسية
  1. تعميق الحوار: من المرجح أن نشهد المزيد من المشاريع التعاونية التي تسعى إلى تعميق الحوار بين فناني الداخل والشتات، مما يخلق سردية أكثر تكاملاً.
  2. حضور عالمي متزايد: مع نجاح الغاليريهات والبيناليات، سيزداد حضور الفنانين الإيرانيين في المتاحف الكبرى والمجموعات الفنية الخاصة حول العالم.
  3. الابتكار في الوسائط: سيستمر الفنانون في استكشاف الهويات الهجينة والذاكرة الثقافية، ولكن بوسائط وتقنيات مبتكرة تتجاوز الأشكال التقليدية.
  4. الفن كقوة ناعمة: ستواصل إيران، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، استخدام فنها كأداة للتأثير الثقافي والدبلوماسي على الساحة العالمية.

“الفن الإيراني المعاصر، سواء في طهران أو لندن، يثبت قدرته الفريدة على نسج خيوط التراث والذاكرة والهوية في نسيج عالمي معقد، مقدماً رؤى تتجاوز العناوين الإخبارية.”

— تحليل مجلة زين غاليري
نقاط رئيسية للتأمل
  • الفن الإيراني المعاصر هو حوار حي ومستمر بين التراث الأصيل والحداثة العالمية.
  • يلعب فنانو الشتات دورًا حاسمًا في تشكيل المشهد الفني وتوسيع مفهوم الهوية الإيرانية.
  • تعمل المعارض والبيناليات كجسور ثقافية هامة، خاصة في الأوقات السياسية الصعبة.

في نهاية المطاف، يعود بنا كل شيء إلى عنوان البينالي: "بجذوري". لقد أثبت معرض لندن أن هذه الجذور ليست مجرد بقايا من الماضي، وليست مرساة تقيد الحركة. بل هي نظام حيوي ومرن، يغذي سيقانًا وأفرعًا جديدة تمتد عبر القارات، وتزهر في ظروف وبيئات متنوعة. كان بينالي لندن 2026 شهادة على هذه الحيوية المزدهرة، وتذكيراً بأن الفن، في جوهره، هو احتفاء بالحياة والقدرة على النمو رغم كل التحديات.

Tehran Museum of Contemporary Art exterior and landscape
Tehran Museum of Contemporary Art 2 · Farzaneh · CC BY-SA 4.0

Frequently asked questions

ما هو الاسم الرسمي لبينالي الفن الإيراني السادس في لندن؟
أطلق على النسخة السادسة من البينالي عنوان 'إيران الأبدية: بجذوري' (Eternal Iran: With My Roots)، وقد أقيمت فعالياته الرئيسية في صالات عرض 'ذا مول' (The Mall) بلندن، بتنظيم من مؤسسة كابيتال آرت لندن، ليكون منصة تجمع بين فناني الداخل والشتات.
من هم أبرز الفنانين المشاركين في معارض الفن الإيراني في لندن 2026؟
شهدت معارض عام 2026 مشاركة نخبة من الفنانين منهم علي تشيتساز، مهدي درويشي، مينو إمامي، فرزاد لاباف، طهمينة منزوي، وعلي طهوري، بالإضافة إلى مشاركة واسعة لأكثر من 100 فنان في معرض غاليري آب انبار اللندني.
كيف يساهم فنانو الشتات في تطوير الفن الإيراني المعاصر؟
يلعب فنانو الشتات دوراً حيوياً في ربط الثقافة الإيرانية بالتيارات العالمية، حيث يستكشفون في أعمالهم قضايا الذاكرة، اللغة، وتجربة الاغتراب، مما يخلق حواراً فنياً يتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية ويعيد تعريف الهوية الوطنية الإيرانية.
هل يقتصر الفن الإيراني المعاصر على اللوحات التقليدية؟
لا، يتميز الفن الإيراني المعاصر بتنوع وسائطه، حيث يشمل التصوير الفوتوغرافي الوثائقي، النحت الحديث، التجهيزات الفنية، وفنون الفيديو، إلى جانب دمج العناصر التقليدية مثل المنسوجات والخط العربي بأساليب تجريدية ومعاصرة.

Sources

  1. [1]Dastan Gallery | Frieze· frieze.com
  2. [2]Between memory and myth: inside WITH MY ROOTS Iranian Contemporary Art Biennale - FAD Magazine· fadmagazine.com
  3. [3]Dastan Gallery | Frieze· frieze.com
  4. [4]Iran: Memory X Heartbeat Exhibition· ShowUp
  5. [5]Silverlens· silverlensgalleries.com
  6. [6]6th Iranian Contemporary Art Biennial concludes in London· tehrantimes.com
  7. [7]The sixth Iranian Contemporary Art Biennial, titled 'With My Roots ...· x.com